الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
130
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والبأس : هو عذاب المجرمين الذي هو نصر للرسل - عليهم السّلام - . . والقوم المجرمون : الذين كذبوا الرسل . وقرأ الجمهور فننجي بنونين وتخفيف الجيم وسكون الياء مضارع أنجى . و مَنْ نَشاءُ مفعول ننجي . وقرأه ابن عامر وعاصم فنجي - بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم مكسورة وفتح التحتية - على أنه ماضي نجى المضاعف بني للنائب ، وعليه ف مَنْ نَشاءُ هو نائب الفاعل ، والجمع بين الماضي في ( نجّي ) والمضارع في نَشاءُ احتباك تقديره فنجي من شئنا ممن نجا في القرون السالفة وننجي من نشاء في المستقبل من المكذبين . [ 111 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 111 ] لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 111 ) هذا من رد العجز على الصدر فهي مرتبطة بجملة ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ [ سورة يوسف : 102 ] وهي تتنزّل منها منزلة البيان لما تضمنه معنى الإشارة في قوله : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ من التعجيب ، وما تضمنه معنى وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ من الاستدلال على أنه وحي من اللّه مع دلالة الأمية . وهي أيضا تتنزل منزلة التذييل للجمل المستطرد بها لقصد الاعتبار بالقصة ابتداء من قوله : وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [ يوسف : 103 ] . فلها مواقع ثلاثة عجيبة من النظم المعجز . وتأكيد الجملة ب ( قد ) واللام للتحقيق . وأولو الألباب : أصحاب العقول . وتقدم في قوله : وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ في أواسط سورة البقرة [ 197 ] . والعبرة : اسم مصدر للاعتبار ، وهو التوصل بمعرفة المشاهد المعلوم إلى معرفة الغائب وتطلق العبرة على ما يحصل به الاعتبار المذكور من إطلاق المصدر على المفعول كما هنا . ومعنى كون العبرة في قصصهم أنها مظروفة فيه ظرفية مجازية ، وهي ظرفية المدلول في الدليل فهي قارة في قصصهم سواء اعتبر بها من وفّق للاعتبار أم لم يعتبر لها